الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

193

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قصّة على قصّة ، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلّا بالمنافقين ، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلى اللّه عليه وسلم من وعد اللّه بنصر المؤمنين . وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثا من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطيّروا بالإسلام فقالوا : هذه الحالة السوأى من شؤم الإسلام . وقد قيل : إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمت أنعامه ورفهت حاله حمد الإسلام ، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيّر بالإسلام فارتدّ عنه ، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في شأنه : « المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها » . والقول المراد في قوله : يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ هو قول نفسي ، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علنا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهم يظهرون الإيمان به . أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين ، يقولون : هذه من عند محمد ، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له ، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب . ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [ المائدة : 117 ] . والمأمور به هو : أن اعبدوا اللّه ربك وربّهم . وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود ، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق ، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية ، وقديما قيل لأسلافهم وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] . والمراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنة الملائمة والكائنة المنافرة ، كقولهم : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] وقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً [ البقرة : 201 ] ، وتعلّق فعل الإصابة بهما دليل على ذلك ، أمّا الحسنة والسّيئة بالاصطلاح الشرعي ، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه ، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين ، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان . وقيل : كان اليهود يقولون : « لمّا جاء محمد المدينة قلّت الثمار ، وغلت الأسعار » . فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات ، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم ، ولذلك جيء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى ، وهو كلمة ( عند ) في الموضعين : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ؛ إذ